الصفحة الرئيسية نوافذ فكرية "ديوان ابن الفارض، قراءات لنصه عبر التاريخ"
     
 
"ديوان ابن الفارض، قراءات لنصه عبر التاريخ" PDF طباعة أرسل إلى صديق

"ديوان ابن الفارض"

"قراءات لِنصـِّه عبر التاريخ"

 إلى والديَّ فمنهما فاضَ عليَّ الحبُّ بالحياة" بهذا الإهداء الذي ينقلك مباشرة إلى عوالم تسامت عمـَّا اعتدنا أن نقرأ في مستهل المؤلفات، يـُقدِّم المُستشرق الإيطالي الأب البروفيسور جوزيف سكاتولين أستاذ التصوُّف الإسلامي بالمعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية  في روما ، لقـُرَّاء العربية كتابه الوثائقي: "ديوان ابن الفارض، قراءات لنصه عبر التاريخ". ويجيء الكتاب الذي احتفى بصدوره المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة، بعد سلسلة دراسات وبحوث امتدت لسنوات كثيرة، طبـَّق فيها المؤلف منهجه العلميّ بكلِّ ما يتعلق بأبي القاسم عمر بن الفارض "الحمويّ الأصل والمصري النشأة والمُـقام والوفاة".

يؤكد المؤلف على أن "الحياة العِلمية والصوفية لم تكن غريبة على أسرة ابن الفارض فقد كان أبوه المعروف بأبي الحسن، علي ابن المُرشد بن علي، من أهل العلمِ والوَرَع ،حتى أنه فضـَّل الزُّهد والاعتكاف على الانغماس في الشهرة والجري وراء الجاه". لقد اتفق من ترجم لابن الفارض على مدى قرون، على أن اسمه عمر وكنيته "أبو القاسم" أو "أبو حفص" ولقبه "شرف الدين". وتشير المصادر التاريخية كما أورد المؤلف: "أن ابن الفارض المولود في القاهرة سنة 1181 م قد ابتدأ سياحته الصوفية مبكراً فكان يذهب إلى وادي المستضعفين بالمقطم شرقي القاهرة ثم يعود إلى أبيه الذي كان يُلزمه بالجلوس في مجالس الحكم ومدارس العِلم، حتى إذا وصل إلى العقد الثالث من العمر توجه ليعيش بين أودية مكة المكرمة ومجاوراً لها، حيث أمضى قرابة خمس عشرة سنة وفقاً لما صارت عليه العادة عند الصوفية، طالباً في رحابها الفيض الإلهي الذي لم يُفـض عليه ولم يُفتح به في ديار مصر".

وبعد رجوعه إلى مصر وقد بلغ "قمة نضوجه عمراً وروحاً أقام بقاعة الخطابة في المسجد الأزهر، كما فعل والده من قبل، متعبداً معتكفا ًومنعزلاً عن الناس، وفي تلك الحقبة أكمل الشيخ ديوانه تدويناً وإملاءً". وابن الفارض لم  يعمّر طويلاً إذ وافاه الأجل المحتوم سنة 1235، فتم دفنه "بالقرافة بسَفح المُقطـَّم عند مجرى السيل تحت المسجد المعروف بالعارض وهو مُقام على الجبل المذكور".

"لقد ترك ابن الفارض ديوانه المعروف دون أن يترك أي مخطوط أو رسالة لتوضيح مذهبه الصوفي، فكان فـَهْمُ الديوان لغموض مدلولات ألفاظه وعباراته مشكلة مضنية لقرائه وباحثيه" ومع تراكم الشهادات التاريخية  والوثائق ارتأى المؤلف "إعادة تحقيق الديوان بشكلٍ أوسع وأوثق على أساس المنهج الدِّلاليّ التـَّحليليّ كأفضل طريقة لتفهُّم التجربة الصوفية التي عبر عنها ابن الفارض في شعره وخاصة في قصيدة التائية الكبرى التي احتوت على 761 بيتاً، والمُسماة "نـَظـْمُ الدُّرِّ أو نـَظـْمُ السلوك". ومما هو جديرٌ بالذكر، أن رسالة الأب البروفيسور جوزيف سكاتولين للدكتوراه في التصوف الإسلامي ،  كانت في التجربة الصوفية عند ابن الفارض على ضوء القصيدة السالفة الذكر، يقول "تنقسم التجربة الصوفية إلى ثلاث مراحل: الفرق، الجمع، الإتحاد". وقد أورد شرحها بالتفصيل في الكتاب، واكتشف المؤلف أيضاً "أن تسلسل المراحل في القصيدة ليس تسلسلاً جامداً إستاتيكيـَّـاً إنما هو تسلسلٌ حركيٌ ديناميكي يتحول إلى حركة صعودية متسعة أكثر فأكثر إلى آفاق أعلى وأوسع، وهكذا تتخذ معاناة الشاعر الصوفيـَّة سـَفـَرٍ وهي صورة معروفة عند الصـُّوفية".

لقد أعلن المؤلف أن "سـِبط ابن الفارض- عليٌّ -هو من نشر ديوان جده بعد وفاته بقرنٍ تقريباً، وسبطه هذا قدَّم أيضاً ديوان جده بترجمة سيرةٍ له سمـَّاها "عنوان الديوان" وعُرفت فيما بعد "ديباجة الديوان" غير أن عمل سبط ابن الفارض علي لم يـَعُد في ميزان الدراسات موضع ثقة، لا في ترجمته لسيرة جده ولا في روايته لأشعاره، إذ حولها لسرد مطرد من الخوارق والكرامات لا تـُصدَّق، بهدف تكبير وتقديس ذِكر جده عند عامة الناس والرَّد على طعن معارضيه".

عن الوثيقة التي اكتشفها البروفيسور سكاتولين في قونيا / تركيا،  وهي مخطوطة قديمة للديوان يعود تاريخ تدوينها فيما بين 1242-1274م. أي  أقدم من مخطوطة "تشستر بيتي / دوبلين" التي كان اكتشفها المستشرق الإنجليزي جون آرثر آربري ، وأثبت فيها أن هناك رواية أخرى لديوان ابن الفارض مختلفة عن رواية علي سبط الشاعر، أخذ يـُجري بحوثه ودراساته حيث كان يكدُّ ذهنه ويُسهـِرُ جفنه، ليعثر في أسفاره المخصصة لتلك البحوث على مخطوطتين أخريين في ليدن / هولندا وفي برلين / ألمانيا، وبهذا يستحق أن يقول المؤلف أن كتابه الذي يقدمه للمكتبة العربية والعالمية "هو في المقام الأول قراءة صحيحة لإنجاز ابن الفارض".

ولا بـُدَّ من الإشارة إلى جهد المؤلف حيث أكد بعد تنقيبٍ وتمحيص: "أن التسمية التقليدية لابن الفارض كـَ -سلطان العاشقين - لا تعبر عن عمق تجربته الصوفية وأبعادها البعيدة، إنما ابن الفارض هو شاعر - الأنا الجَمْعي - الذي يجد حقيقة ذاته في الاندماج التام مع الحقيقة العليا، فوصف الحبِّ والجمال في شعر ابن الفارض ليس إلا جزءاً محدوداً ومرحلة ً عابرة في سفره الصوفي الذي يهدف إلى آفاق أعلى وأوسع ألا وهي - بحارُ الجَمعِ - أي تلك الحقيقة النورية العليا التي هي مصدر الكل ومرجع الكل".

ثمَّ أنـَّك إن تجولت بهذا الإنجاز الوثائقي لوجدت نفسك في بساتين تنقي النفس ، لا أجمل منها ولا  أحلى، فمن قصيدة "سائق الأظعان" ومؤلفة من 147 بيتاً ومطلعها:

سائِقَ الأظعانِ يطوي البيدَ طـَيْ        مُنـْعِماً عَرِّجْ على كـُثبانِ طيْ

إلى قصيدة "صـَدٌّ حَـمَى" ومؤلفة من 52 بيتاً ومطلعها:

صـَدٌّ حَمَى ظـَمئي لـَمَاكَ لِمَاذا        وهَـواكَ قـَـلبي صَار فيه جُذاذا

إلى التائية الصُغرى المُسماة "نعم بالصَّـبا"، 102 بيتاً:

نـَعَمْ بالصَّـبا قلبي صَبَا لأحبَّـتي        فيا حَبـَّـذا ذاكَ الشـَّذا حينَ هبـَّتِ

سَرَتْ فأسرَت للفـُـؤادِ غـُـديَّــة ً        أحـاديثَ جـِيرانِ العُذَيْـبِ فسَرَّتِ

إلى "سَقـَتني حُمَيـَّا الحُب"، الموسومة بـِنـَظم الدُّر التي عقد معها الأب سكاتولين صداقة حميمة لأكثر من أربعة قرون، ومؤلفة من 761 بيتاً، عبَّر فيها الشاعر عن تجربته الصوفية وسجَّل حياته الروحية بأكملِ وجه:

سَقـَتني حُمَيـَّا الحُب راحة َ مُقلتي        وكأسي مُحيـَّا مَن عن الحُسنِ جـَلـَّتِ

إلى "أرَجُ النـَّسيم" والمؤلفة من 50 بيتاً:

أرَجُ النـَّسيم سرى من الزَّوْراءِ        سَحَـراً فأحيـا مَيـِّتَ الأحياءِ

أهدى لنا (أرواحَ) نـَجْدٍ (عَرفـُهُ)        فالجَوُّ منه مُعـَنبَرُ الأرْجاءِ

وتـَهـُبُّ نسائمُ قصيدة "أوميضُ برقٍ" وتسمى الحائية، 26 بيتاً:

أوَميضُ برقٍ بالأبيرَقِ لاحَا        أم في رُبى نـَجدٍ أرى مِصْباحا

ثـمَّ تـَجـِدُ نفسكَ إزاء قصيدة "نارُ ليلى" وهي الميمية من البحر البسيط، 17 بيتاً:

هل نارُ ليلى بَدَتْ بذي سـَلـَمِ        أم بارِقٌ لاحَ بالزَوراء فالعـَلـَمِ

وتتألـَّق قصيدة "خـَفـِّف السـَّير" 37 بيتاً:

خـَفـِّف السـَّير واتـَّـئِـد يا حــادي        إنـمـا أنـتَ سـائـِـقٌ بفــؤادي

ما ترى العيسى بين سَـوْقٍ وشـَوْقٍ        لربيعِ الرُّبوع غرْثى صَوادي

إلى "شـَرِبنا" المعروفة بـ "لـَخـَمرِيـَّة ُ" وهي قصيدة ميمية من 39 بيتاً:

شـَرِبنا على ذكرِ الحـَبيبِ مُدامة ً        سَـكرنا بها من قبلِ أن يـُخلـَقَ الكـَرمُ

لها البـَدرُ كأسٌ وهي شـَمسٌ يديرها        هِلالٌ وكم يبدو إذا مـُزِجَـتْ نـَـجـْـمُ

ثـُمَّ تـَقِفُ وقفة َ مـُتأمِّلٍ في قصيدة "ما بينَ مُعتـّرَكِ" من 41 بيتاً:

ما بينَ مُعتـَرَكِ الأحداقِ والمـُهـَجِ        أنا القـَـتيلُ بلا إثـْـمٍ ولا حـَرَجِ

وتستمر رحلـَتـُكَ بينَ دفـَّتي هذا العمل الموسوعيّ والسِّجل القيـِّم الذي يستحق أن تـُزيَّن له صدر المكتبات،  وسيعتمد للتدريس في جامعاتٍ عربية ودولية،  فتعرج على  مجموعة قصائد منها "احفظ فؤادك" وهي من البحر الكامل 21 بيتاً، إلى "تـِهْ دلالاً" 57 بيتاً، إلى "الكافيـَّة" وهي من البحر الخفيف، إلى "الميميـَّة" "أدِر ذِكرَ" من البحر الطويل 36 بيتاً، إلى "قلبي يـُحدِّثني بأنـَّك مـُتلفي..." 47 بيتاً، إلى "اللامية" من البحر الطويل 59 بيتاً:

هو الحُبُّ فاسلـَم بالحشا ما الهَوَى سَهلُ       فما اختاره مُـضنىً به ولهُ عـَقلُ

هذا وقد ضمَّ الجزء الثاني من الكتاب "القصائد المزيدة والنصوص المتناثرة والقصائد المفقودة" التي أحسن المؤلف تحقيقها وجمعها وترتيبها وتشكيلها وتقييدها بالحركات..كما فعل بالجزء الأول أيضاً ليستعذب الباحث والقارئ جِرسَها الموسيقيّ ووقعها المُطرب. يواكب هذا ما ارتأى المؤلف مدَّ الله في عُمره، إيداعه بالكتاب وهي مجموعة وثائِقَ نادرة  مُصوَّرة مخطوطة باليد، إلى جانب الشروحات اللازمة في كلِّ صفحةٍ، وثـَبـْت النصوص مخطوطها ومطبوعها مع رموزها. ثم أنك تجدْ مُقدمة للكتاب باللغة الإنجليزية وأخرى بالفرنسية والشروحات اللازمة عن الديوان.

ويبقى سؤالٌ يتردد في الخاطر: كيف تأتـَّى لمن ترك أهله وذويه ومفاتن الدنيا وهو بعد في عمر الزهور ليكرس نفسه لشهادة الكلمة والحق إلى جانب الدراسة والبحث، ثمَّ يتوجه بعد حصوله على ماجستير في اللاهوت من إيطاليا إلى مشرقنا العربي الذي أحب، ليتعلم في جامعاته اللغة العربية وآدابها، ويتمكن من اجتياز مراحل الدراسات العليا بتفوق وصولاً إلى شهادة دكتوراه في التصوف الإسلامي وهو مجال تدريسه لطلبة الماجستير والدكتوراه حالياً، إلى جانب إتقانه لست لغات قراءة وكتابة، وما تقتضيه بحوثه أيضاً أربع لغات كلاسيكية منها اليونانية واللاتينية.. أقول كيف تأتى لهذا العَالِم الذي يـَتـَّسِمُ بتواضعٍ ليس كمثله في زماننا أن يفتح أعيننا على كنوز أدبنا العربي ونفائسه؟ إنها الإرادة القوية المقرونة بالسهر والجَـلـَدِ وتـَحَمُّـل المشقات لتقديم أعمال صحيحة متكاملة تخدِمُ الحاضر والمستقبل وتؤتي بثمارها اليانعة لمن يريد القـِطاف.

وأختِمُ بهذه الأبيات البديعة التي كتبها سبط ابن الفارض عليّ، على ضريح جدِّه، وكما أوردها البروفيسور سكاتولين في كتابه النفيس "ديوان ابن الفارض، قراءات لنصِّه عبر التاريخ":

"جُـزْ بالقـَرَافـَةِ تحتَ ذيـلِ العـارِضِ        وَقـُلِ: السـَّلامُ عليكَ، يا ابْنَ الفارِضِ"

"أبـْرَزتَ في نـَظمِ السـُّــلوكِ عَجائِباً        وكـَشَـفتَ عَــنْ سِـرٍّ مَصُونٍ غامِضِ"

"وَشـَرِبْـتَ مـن كـَأسِ المَحَبَّـةِ والولا        فـَـرَوَيْتَ مـن بحْـرِ مُحيــطٍ فائِــضِ"

بقلم: حنا ميخائيل سلامة نعمان

 
       
www.hannanuman.com-All Rights Reserved- جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة. لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة أن يتم ذِكر المَصْدَر والمؤلف وإشعار المَصْدر بذلك